9 ربيع الأول 1440 هـ   -  17 نوفمبر 2018 م
الرئيسة  >> من كنوز السنة  >> التَّعايُشُ مع الآخر في الإسلا ... 

التَّعايُشُ مع الآخر في الإسلام

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» رواه البخاري.
وجاء أيضًا أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ قال: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا، وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» رواه الترمذي وأبو داود.
وجاء أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وَآله وسلم قال: «مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أبو داود.
تؤسس هذه الأحاديث فتح مجال واسع مع غير المسلم؛ لإحداث العلاقة والتعارف، ومن ثَمَّ التعايش المبني -بطبيعة الأمر- على التعاهد والتعاقد، فلا تعايش إلا بتعاهد وتعاقد.
أما وجود العلاقة من الأصل والتعارف لم يكتف الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم إلى الإرشاد إليه، بل جعله الله سبحانه وتعالى مغزى من مغاز خلق الإنسان على وجه الأرض على الشَّاكِلَة التي خلقهم عليها من الاختلاف والتنوع -ونحن نعرف من خلال مقرَّرات الاعتقاد أن تنويعَ الله لخلِقه ولكلِّ شيء في هذه الحياة الدنيا لهو دليلٌ من أدمَغِ الأدلة على وحدانية الله سبحانه وتعالى؛ فهو القائل في كتابه الكريم سبحانه وتعالى: ﴿يَخْلُق مَا يَشَاء﴾ [آل عمران: 47]-؛ وقال عزَّ مِنْ قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وهذا الاختلاف بين البشر واقعٌ بمشيئة الله ولا رادَّ لها ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۞ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118-119]، وهذا الاختلاف الواقع بقدر الله ومشيئته يجعل لكلّ إنسان حقًّا في الكرامة والصيانة.
أما بالنسبة للتعايش من وجهة نظر الإسلام فإنه ينبع من نظرة الإسلام للإنسان كإنسان؛ فلقد كرَّم الله سبحانه وتعالى الإنسان فخلقه بيده في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض، وجعله خليفةً عنه وزوده بالقوة والمواهب؛ ليسود ويسيطر على الأرض بما ينفع الناس، وليصل إلى أقصى ما قُدِّرَ له من كمالٍ مادي وارتقاء روحي.
ولقد ورد في القرآن الكريم لفظ الكرامة والتكريم والمعاني والألفاظ المشتقَّة من جِذْرِ الكلمة، فوردت في نحو عشرين آيةً منها ما جاء بصريح اللفظ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، وقوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، أو بعبارات يستنبط منها ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
ومن جهة أخرى فإن النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم هو الذي أنقذ إنسانيَّة الإنسان من الهدر والضياع، وبنى العلاقات الإنسانية على الرحمة والتراحم، وأَسَّسَ لكرامة الإنسان ووحدة أصله ببيانه النبوي؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «… أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى» رواه أحمد، وكما جاء في الحديث: فلقد مرَّت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة يهودي فوقف لها صلى الله عليه وآله وسلم تكريمًا لإنسانية الإنسان، فقال له بعض أصحابه: إنها جنازة يهودي، فقال النبي الأمين الكريم: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» متفق عليه، فالرسول عليه الصلاة والسلام قدوة للرحمة والتراحم، وهو الذي قال المولى عز وجل في القرآن الكريم في وصفه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وعليه: فإنَّ الإنسان في الإسلام مكرَّمٌ بأصل خلقه، ورَسَّخَتِ الرسالة المحمدية كون هذا التكريم ليس خاصًّا بعنصر دون عنصر، ولا بجنس دون جنس، ولا بلون دون لون، ولا بدين دون دين… وما إلى ذلك، بل البشرية جمعاء في حقِّ التكريم سواء.
وانطلاقًا مما تقدم فإن الكرامة الإنسانية قد قررها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بدون تمييز أو استثناء لكل من يتحقق فيه معنى الإنسانية.
وعبر هذه الرؤية الإسلامية للإنسان الذي خُلق ليكون خليفة الله في الأرض لا يجوز أن يُضْطَهد أو يُظلَم، أو تُسْلَب حريته، أو يعامل بطريقة تُمَيِّزه على أساس اللون أو الجنس أو الجاه أو العرق أو القومية…أو ما إلى ذلك.
من جهة أخرى، ولكي يتمكن الإنسان من أداء مهامه التي كلَّفَه بها العلي القدير وتحقيق أهدافه وبلوغ غايته، مكَّنَ له الإسلام جميع عناصر النمو ومنحه كافة حقوقه ضمن منظومة حقوق تتخذ صفة الإلزام الأخلاقي القانوني، وتتناسب وموقع الكرامة المتأصلة فيه، وهذا ما يفسر اعتبار تكريم الإنسان ضرورة فطرية أساسية لا تستقيم الحياة بدونها أكثر من كونها حقوقًا مجردة مفروضة.
وكما علمنا فلم تقتصر النصوص الإسلامية على التأكيد على إنسانية الإنسان وحصانته، بل أقامت كَمًّا من الجسور بين المسلمين وغيرهم، فثمَّةَ نصوص خاطبت خلق الله كافة من كل لون وجنس وملة؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]، وكان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم -فيما ذكره زيد بن أرقم رضي الله عنه-: «أَنَا شَهِيدٌ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، ... أَنَا شَهِيدٌ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ» رواه أبو داود.
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]، هذه الآيات تفتح باب التلاقي بين المسلمين وغيرهم معلنة أن المسلمين مؤمنون بكل الأنبياء والرسل، وأن جوهر الرسالات السماوية واحد في غير تعارض أو تنافر.
ولكي يقوم التعايش فلابد من التعاهد والتعاقد أوَّلًا، ثم الوفاء بما تم التعاهد والتعاقد عليه، وبطبيعة الأمر سيُبنَى التعاهد والتعاقد على أسس وقواعد قائمة بشكل عام على الحقوق والواجبات والعدل ورفع الظلم إن وقع.
وفي كل الأحوال ينبغي الوفاء بالعهد الذي هو مبدأ إسلامي متين وأصيل؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: 34]، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 91] وغير ذلك من الآيات الكريمة.
وكما جاء في الأحاديث الخاصة بالـمُعاهَد من أهل الذمة التي بين أيدينا، والتي تحذر أشد تحذير من الإخلال بالعهود، وتوجيه أدنى قدر من الأذية للمعاهد، فأدنى قدر من الأذية يؤدي إلى عدم دخول الجنة وعدم شم رائحتها العَبِقَة، فما بالنا بمن ارتكب في حق المعاهد أو الذمي ما هو أكثر أو أكبر من ذلك.
وهكذا كان واقع المسلمين مع المعاهدين منذ العهود الأولى، والنماذج على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى منها: لما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه رضي الله عنهما أطلقوهما وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا خارجين على بدرٍ فقال رسول الله صلى عليه وآله وسلم: «نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ» رواه مسلم.
ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للمدينة -وكان أكثر أهلها وثنيين وكان فيها قبائل من يهود وهم أهل كتاب ودين- نظَّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود وغير المسلمين عقدًا اجتماعيًّا يُعَدُّ نموذجًا مثاليًّا للتعايش؛ وذلك لتنظيم الحقوق، وواجب حماية المدينة، وقواعد التعامل مع الأحداث، وبقي الأمر كذلك عدة سنوات.
وخير مثال على تعايش غير المسلمين مع المسلمين العهد الذي كتبه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأهل نجران المسيحيين؛ حيث كتب لهم بأنه أجارهم بجوار الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنفسهم وأراضيهم وملتهم وأموالهم وحاشيتهم وعبادتهم وغائبهم وشاهدهم وأساقفتهم ورهبانهم وبِيَعِهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير لا يخسرون ولا يعسرون، ولا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته، وفاءً لهم بكل ما كتب لهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. راجع: "التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية" للدكتورة منى جلال الدين (ص: 2).
كما عاش المسلمون في الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب في عصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية ودولة المماليك والعثمانية في جميع البلدان الإسلامية، وكانت بينهم وبين المسلمين صلات ومعاملات، تشهد بها الحقائق والوقائع والسجلات.
وفي مصر في العصر الحديث تضرب مصر أروع مثال للتعايش بين المسلمين والمسيحيين، ورغم المحاولات المستميتة لضرب هذا التعايش والتعاهد، فإنه قد بقيت لُحمة هذا التعايش باقية صامدة تشارك في صنع النسيج المجتمعي المتين، وتقف في وجه كل عدو معتد وأثيم.
المصادر:
- "صحيح البخاري"
- "صحيح مسلم"
- "سنن أبي داود"
- "سنن الترمذي"
- "التعايش مع الآخر حقيقة تاريخية" للدكتورة منى جلال الدين.
 

Feedback