9 ربيع الأول 1440 هـ   -  17 نوفمبر 2018 م
الرئيسة  >> من روائع الحضارة الإسلامية  >> عناية الحضارة الإسلامية بالآدا ... 

عناية الحضارة الإسلامية بالآداب

 "الأدب" كلمةٌ ترجع إلى معنى الاجتماع والضيافة والكرم، ومن ذلك تسمية العرب للمأدبة، فكان العرب يقولون: أدِبَ القومَ يأدبهم أدبًا، إذا دعاهم إلى طعامٍ يتَّخذه، وكان إقراءُ الضيوف وتقديمُ الطعام لهم من أرقى الخصال التي يتحلَّى بها المرءُ في هذه البيئَة الصَّحراويَّةِ المُقْفِرَةِ؛ حيث كان امتلاكُ الطَّعام هو السبيلُ الدُّنيويُّ الوحيد تقريبًا للحياة، فكان تقديمُه للضيوف دليلًا على رُقِيٍّ أخلاقيٍ عالٍ، وَسُمُوِّ نفسٍ كبيرٍ.
وفي العهد الأموي صار يطلق على بعضٍ من طبقة المُعلِّمين لفظَ المؤدِّبين، فكان هذا توسُّعًا ثانيًا في مدلول الأدب.
ثم استفاضت الكلمة وكانت مادة التعليم الأدبي قائمة بالرواية من الخبر والنسب والشعر واللغة ونحوها، فأُطلقت على كلِّ ذلك.
وقد تطوَّر لفظ "الأُدباء" وزال إطلاقه على العلماء والمعلمين بمرور الوقت حتى صار يطلق على الشُّعراء والكُتَّاب فقط في منتصف القرن الرابع الهجري، فصار "الأدب" عَلَمًا على المجالات الفنية من الكتابة المنثورة والمنظومة المتعلقة باللَّغة والبلاغة والإنشاء والتاريخ.
ولقد كان لهذه الألوان من الفنون منزلتُها السامية في المجتمعات العربيَّة قبل الإسلام، ولعل أهمها الشعر وكذلك الخطب البليغة والأمثال الحكيمة، ولمَّا جاء الإسلام لم يعمل على غلق منافذ التعبير الفني التي كانت موجودة عند العرب كأحد المظاهر الثقافية والاجتماعية في هذا المجتمع العريق، بل على العكس حافظ الإسلام على هذه الوسائل الفنية من التعبير وارتقى بها ارتقاءً عظيمًا، وهذَّبها مما كان يدنو بمنزلتها من عوامل نفسية؛ كالإساءة والغيرة والتنافس وحب النفس والفُحْشِ في القول.
فلما نزل القرآن الكريم كتابُ الله الخالد على مَرِّ الزمان كان من الإعجاز في جميع وجوه الإعجاز، ومنها الإعجاز اللغوي والبلاغي، بحيث عجز أرباب الفصاحة والبيان من العرب في ذلك الوقت اللذين كانوا قد أحرزوا القدح المعلى في البلاغة والبيان؛ فلم يستطيعوا الإتيان ولو بسورة من مثله، وبمرور الوقت أدركوا عظمة هذا القرآن ومصداقية صدوره عن رب العالمين وأنه كلام الله حقًا، فارتقى القرآن بلغة العرب، وقدَّم نموذجًا أعلى للسمو الأدبي في التناول الإيماني والاجتماعي والفكري والثقافي والتاريخي والعلمي والمنطقي، وفي المناظرة والمحاجَجَة.
وكانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية في البلاغة، والصياغة الأدبية الرفيعة، فقد أوتي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جوامعَ الكلم، فهو الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم؛ يقول الجاحظ عن كلامه صلى الله عليه وآله وسلم: "ولم يتكلَّم إلا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّدَ بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الأفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زَلَّتْ به قدم، ولا بارت له حُجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب"، كيف وهو أفصح العرب وأبلغهم!
كما أباح الإسلام التفنُّن بقول الشعر، بل ودعا الرسولُ شاعرَه حسانَ بن ثابتٍ رضي الله عنه للدفاع عنه أمام هجاء الكفار له ولأصحابه، وقال له: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ» رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى أنه قال له: «اهْجُهُمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ» رواه البيهقي في "السنن الكبرى"، وقد استند حسَّان رضي الله عنه على هذا الدعم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليؤكِّدَ مشروعيَّة إنشاده الشعر في المسجِد على عهدِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ حيث رآه عمر ينشد الشِّعرَ في المسجد النَّبويِّ، فَلَحَظَ إليه، أي نظرَ إليه بمؤخَّر عينه، كأَنَّه يُؤَاخِذُهُ على إنشاد الشِّعر في المسجد، فقال له: قد كنتُ أُنْشِدُ، وفيه مَنْ هو خيرٌ منك، ثم التفت إلى أبي هريرة رضي الله عنه، فقال: أَنْشُدُكَ اللهَ أسمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «أَجِبْ عَنِّي، اللهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»، قال: "اللَّهُمْ نَعَمْ" رواه مسلم.
وقصة استماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكعب بن زهير رضي الله عنه وإنشاده قصيدة "بَانَتْ سُعَاد" بحضرَتِه مشهورَة، بل إنْ إعجابَ النَّبي بهذا الشِّعر، كما تشيرُ بعضُ الرِّواياتِ، دعاه إلى الإِشارَة لمن معه مِن الصَّحابَة أن يأتوا ليسمعوا، وأعطاه بُردَته أو عباءَته الشَّريفة.
وحين كانت تأتي الوفودُ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العامَين الأخيريَن من حياتِه الشَّريفَةِ، كانوا يُقدِمون ومعهم خطباؤُهم وشُعراؤُهم، فيخطُبون وينشُدونَ أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويرد عليهم شعراء الرسول وخطباؤه.
كما وردت روايات أخرى عن قولِ النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الأبياتِ، ولكنه كان يُغَيِّرُ في بعض كلماتِها ويقدِّم أو يؤخِّر تنزُّهًا عن قولِ الشِّعر؛ لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: 69]، وذلك مستوىً من الكَمال اختصَّ اللهُ به نبيَّه الأَكْرم عليه الصلاة والسلام، ولم يكن قرْضُ الشِّعر موهبة مَنَحَها اللهُ لكلِّ العَربِ، فجعل الله تعالى اختصاصَ النبي بالذِّكر والقرآن، وقد كان من ادِّعاءاتِ الكافرين في بداية الدعوة أنَّ القرآن الذي يبلغه النبي للعالمين ما هو إلا شعرٌ، فكان من أبلغ الردود على هذا الادِّعاء الكاذب أنَّ النبي لم يكن شاعِرًا ولا ينبغي له الشِّعر، لكن هذا لم يمنع الرسول من الاستماع للشِّعر وتقديره والمكافأة عليه ودعوة شعراء الإسلام للردِّ على هجاءِ الكافرين بالشِّعر.
إنَّ غايةَ الكلام في الإسلام أيًّا كان القالب الذي يخرج فيه هذا الكَلام أن يكون كلامًا يدعو إلى الخير وينهى عن الشَّرِ؛ ولذلك استثنى اللهُ سبحانه وتعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات عندما نعى على الشُّعراء في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ۞ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ۞ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ۞ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 224-227]، فاستثنى اللهُ المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويذكرون الله، ويتخذون مواقف ينتصرون فيها للحقِّ والعدل من الأوصاف التي وصف بها الشُّعراء الذين يتبعهم الغَاوون.
فالأدبُ بألوانِه المختلفة محلَّ تقديرٍ في الإِسلام، إلا أنه ينبغي أن يكون مُتَقَيِّدًا بقيود الإسلام في الدَّعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، أما الأدب المسِفُّ الذي يستهدِفُ إثارَة الغرائِز والشَّهوات والحضَّ على الرَّذائل والمنكَرات، فهو أمرٌ ممقوتٌ في التصور الإسلاميِّ للفنِّ ودوره في المجتمع وحياة الناس، فالشعر -كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه-: "حسَنُه حسنٌ، وقبيحُه قبيحٌ" وكذلك كلُّ ألوان الكلام وفنونِه.
يقول الدكتور عبد الحليم محمود: "والأدب في أوضاعه المستقيمة إنما هو لإصلاح المجتمع، والسير به في طريق الكمال خطوة فخطوة، وإنَّ كل من يضع لَبِنَتَهُ في صرحِ الفضيلة، فإنما يضع لبنَةً في صرح الكَمال، وإن كلَّ من يضع لَبِنَةً في صرح الرَّذيلة، فإنما يضع لبنةً في صرح النَّقص.
وإن الأدباء الذين يجرون وراء الاستثارة الجنسية والأدب المكشوف: خائنون للوطن ويعيشون في مقت الله؛ لأنهم مفسدون".
ويقول الدكتور محمد رجب البيومي: "ونحن نقرأ الأدبَين: الأدبَ الرَّاقي بالنفوس إلى أوجه الفضائل، والأدبَ المنحَدرِ بها إلى وِهادِ الإسفاف والتبذُّل، فنجد أن الأدب لا يهز الشعور الإنساني الحي إلا إذا اتَّجَهَ إلى تصوير الفضائل والمُثُلِ الرفيعة اتجاهًا يُرضي الضمير المُسْتِكِنَّ في نفسِ الإنسانِ وإن نام أحيانًا، أما إذا اتَّجَهَ إلى المنحدرات الهابطة فقد يروقُ ببراعةِ تصويره، لكنه لا يستحسن الإعجاب من نفسٍ ذاتِ وجدانٍ مؤمن".
وقد سار الصَّحابة على هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تقدير الألوان الأدبية والفنية المختلفة وفق مبادئ الإسلام؛ في كون هذه الألوان الأدبية والفنية وسيلة للخير والمعروف لا للشِّر والمنكر، فكان منهم من ينشد الشعر ومنهم من يستمع إليه ويردده ويستشهد به في حديثه، وقد تقدَّم ذكر إنشاد حسان بن ثابت في المسجد النبوي.
يقول الدكتور شوقي ضيف: "إن النصوص الكثيرة دفعته إلى نقض الفكرة التي شاعتْ في أوساط الباحثين من عرب ومستشرقين؛ إذ ذهبوا يزعمون أن الإسلام انحسر عن أثر ضئيل نحيل في أشعار المخضرمين، وهو زعم غير صائب، بل هو زعم يُسرف في تجاوز الحق، فقد أتمَّ الله على هؤلاء الشعراء نعمة الإسلام، وانتظم كثير منهم في صفوف المجاهدين في سبيل الله داخل الجزيرة العربية وفي الفتوح.
وهم في ذلك كله يستلهمون الإسلام، ويعيشون له، ويعيشون به، يريدون أن ينشروا نوره في أطباق الأرض، وقد مضوا يَصْدُرُون عنه في أشعارهم صدور الشَّذى عن الأزهار الأرِجَة.
وبالمثل صدروا عنه في نثرهم، فإذا هم يستحدثون فنونًا من النثر يُنشئونها إنشاءً؛ إذ أنشأوا –على هدي القرآن الكريم– آيات بديعة من المواعظ الدينية، كما أنشأوا ضروبًا من المعاهدات والرسائل السياسية والتشريعية".
ومع تقدُّم المسلمين وتطورهم في العصور المختلفة كان للمظاهر الأدبية شأن كبير في حضارة الإسلام، واتسم شعر صدر الإسلام بالوضوح والإبانة وبساطة الأداء والجنوح إلى التقرير والمباشرة، ثم كان لكل عصرٍ بعد صدر الإسلام مظاهر وسمات تُمَيِّزُ ما انتشرَ خلاله من شعرٍ ونثرٍ وكتابةٍ في التاريخ والأنساب والرسائل وغيرها، مثل أدب العصر الأموي، وأدب العصر العباسي، والأدب الأندلسي... إلخ.
كما تنوَّعت الأغراض الشعرية التي تختص بأنواع معينة من الشعر، مثل الشعر السياسي والفخر والحماسة والزهد والتقوى... إلخ.
فكان الشعر -كما الكتابة- تعبيرًا عن واقع الحياة في الحضارة الإسلامية، وكان للانفتاح الثقافي على الأمم والشعوب المختلفة بعد الفتوحات الإسلامية دور كبير في تطور الأدب العربي والإسلامي؛ ذلك أنه سرعان ما تعلَّم المسلمون في هذه البلاد اللغةَ العربية وأتقنوها وبها تكلَّموا وألَّفوا الكتب ونظموا الأشعار التي لا تزال حتى الآن محل إفادة وإعجاب.
كان الاعتناء بهذا اللون من الفنون من أبرز ما اعتنى به المسلمون، وأسهمت الحضارة الإسلامية في مجال الأدب وفنونه بحظٍّ وافرٍ، وإذا كان للحضارات الأخرى إسهامات مختلفة في المجالات الفنية الأخرى بصورة أبرز من مجال الأدب، أو بأنماط أدبية مختلفة لم يبلغ العرب والمسلمون شأنهم فيها، فليس هذا بمحلِّ لومٍ على الحضَارَةِ الإسلاميَّةِ؛ لأنه لا ينبغي لكلِّ حضارة أن تبرع في جميع مجالات الفنون والآداب، بل حسبها أن توفر -كل منها- لأهلها ما يشبع احتياجاتها الفنية بما يكون أنسب لها وأقرب لطباع أهلها ونابعًا ومتصلًا بأفكارها ومعتقداتها، وهنا يكون الفن أصيلًا ومعبرًا عن بيئته ومشبعًا لاحتياجاتها الفنية.
المصادر:
- "دلائل النبوة" للإمام البيهقي.
- "البيان والتبيين" للجاحظ.
- "فتح المنعم شرح صحيح مسلم" للدكتور موسى شاهين لاشين.
- "موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة" للدكتور عبد الحليم محمود.
- "تاريخ آداب العرب" لمصطفى صادق الرافعي.
- "تاريخ الأدب العربي" للدكتور شوقي ضيف.
- "قسم الآداب" ضمن "موسوعة الحضارة الإسلامية" لمجموعة من الكُتَّاب (ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية).

Feedback