الرئيسية  >  الفتاوى   >  عبادات   >  الذكر 

حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم

ما حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور الجائزة والمستحبة، التي دلَّ على مشروعيتها واستحبابها الكتاب والسُنَّة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه جرى علماء المسلمين وعوامِّهم سلفًا وخلفًا من غير نكير، وهذا هو الحقُّ الذي دلَّت عليه النصوص، ولا عبرة بمن شذَّ ذلك.

التفاصيل ....

التَّوَسُّل: تَفَعُّلٌ من الوسيلة، والوسيلة في الأصل: ما يُتَوَصَّلُ به إلى الشيء ويُتَقَرَّبُ به، كما قال العلامة ابن الأثير في "النهاية" (5/ 185، ط. المكتبة العلمية).

وقد أجمع المسلمون أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الوسيلة العظمى، واتفقت الأمة على التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم من غير خلاف من أحد يُعتَدُّ به.

وجاءت النصوص والأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة بمشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك حاصل قبل مولده، وفي حياته الدنيوية، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى ذلك اتفقت المذاهب الأربعة:

فمن الكتاب:

- قوله تعالى يخبر عن حال أهل الكتاب قبل مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89]؛ أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: "يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم على مشركي العرب -يعني بذلك أهل الكتاب- فلما بعث الله محمدًا صلى الله وآله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه". وأخرجه الآجري في "الشريعة"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "دلائل النبوة" من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت اليهود فعاذت اليهود بهذا الدعاء، فقالوا: اللهم نسألك بحق محمد النبي الأمي، الذي وعدتنا أنك تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بُعِث النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كفروا به، فأنزل الله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ بك يا محمد على الكافرين".

- وقوله تعالى: ﴿ولو أَنَّهم إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهم جاءوكَ فاستَغفَرُوا اللهَ واستَغفَرَ لهم الرسولُ لوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، وقد فهم الصحابة من هذه الآية العموم؛ فروى ابن جرير وابن المنذر في "التفسير"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إنّ في النساء لخمسَ آياتٍ ما يَسُرُّني بهن الدنيا وما فيها، وقد علمتُ أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها.. فذكر منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 12، ط. مكتبة القدسي): [رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح] اهـ.

فقد فهم سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه العمومَ من الآية؛ حيث حَدَّث بذلك التابعين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بل ورد ما يدل صراحةً على أن هذه الآية عامة لكل المسلمين وجميع الأمة؛ فقد رواها معاوية بن قرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: "خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا" أخرجها الكلاباذي في "بحر الفوائد"، واللالكائي في "شرح السنة"، والتيمي في "الحجة"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت" أخرجه ابن جرير والثعلبي في "التفسير"، والبيهقي" في "شعب الإيمان".

وأما الأدلة من السنة النبوية المطهرة:

- فحديث الأعمى الذي علَّمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّد إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ» رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي وصححه جمع من الحفاظ، وفي بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «وَإِنْ كَانَ لَكَ حَاجَةٌ فَمِثْل ذَلِكَ»، وعند الطبراني وغيره أنَّ راوي الحديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه علَّم هذا الدعاء لمن طلب منه التوسط له في حاجة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته، وفي ذلك طلب صريح للمدد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

- وحديث الخروج إلى المسجد للصلاة: فعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَأَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ» رواه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة، وهو حديثٌ صحيحٌ؛ أشار إلى صحته الحافظ ابن خزيمة عندما استدل به في العقائد؛ قال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 98، ط. دار العربية): [رواه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق فضيل بن مرزوق؛ فهو صحيح عنده] اهـ.

كما قوّاه الحافظ البغوي في "مسند ابن الجعد" (ص: 302، ط. مؤسسة نادر)؛ حيث ساقه وغيره من الأحاديث من طريق عطية العوفي، ثم أسند إلى الإمام ابن معين قوله فيه: "صالح"، وهذه قرينة تدل على قبوله له، وقوّاه الحافظُ ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 274، ط. مكتبة الرشد)؛ فقال: [ومثل هذا لا يدرك بالرأي، ولا يكون إلا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ، والحافظُ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي فيما نقله عنه تلميذه الإمام المنذري في "الترغيب والترهيب" (2/ 305، ط. دار الكتب العلمية)، والحافظ الدمياطي في "المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح" (ص: 641-642، رقم 1321، ط. النهضة الحديثة)، والحافظ العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (ص: 384، ط. دار ابن حزم)، وأقره المرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (5/ 89، ط. مؤسسة التاريخ العربي)، كما حسَّنه أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في "نتائج الأفكار" (1/ 268، ط. دار ابن كثير)، وحسنه الحافظ السيوطي في "تحفة الأبرار بنكت الأذكار" (ص: 9).

وقد أجاب الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 267، ط. دار ابن كثير) عن تضعيف الحديث بعطية العوفي فقال: [ضَعْفُ عطيةَ إنما جاء مِن قِبَل التشيع، ومِن قِبَل التدليس، وهو في نفسه صدوق، وقد أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأخرج له أبو داود عدة أحاديث ساكتًا عليها، وحسَّن له الترمذي عدة أحاديث؛ بعضها من أفراده] اهـ.

والسائلون لله تعالى الذين توسل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بحقهم هم أعمُّ من أن يكونوا أحياءً أو منتقلين، وهذا يدل على جواز التوسل بالمخلوق سواء أكان حيًّا أو مُتَوَفًّى، كما أن في التوسل بالعمل الصالح (وهو المشي إلى الصلاة) دليلًا آخر على جواز التوسل إلى الله في الدعاء بالمخلوق، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم المخلوقين قدرًا وأعلاهم شأنًا، فالتوسل به أَوْلَى.

- وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عند موت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما، وهو حديث طويل، وفي آخره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ ولَقِّنْهَا حُجَّتَهَا وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» رواه الطبراني في "الأوسط" (1/ 67، ط. دار الحرمين)، و"الكبير" (24/ 351)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 121، ط. السعادة)، وغيرهما. قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/ 257): [رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح] اهـ.

- وفي التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم قبل مولده: ما أخرجه الحافظ أبو الحسين بن بشران -كما ذكر ابن ناصر الدين في "جامع الآثار" (1/ 469، ط. قطر)- ومن طريقه الحافظ ابن الجوزي في "الوفا بفضائل المصطفى" -كما ذكر ابن تيمية في "الفتاوى" (2/ 159)- عن ميسرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًّا؟ قال: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ وَاسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَخَلَقَ الْعَرْشَ كَتَبَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ الَّتِي أَسْكَنَهَا آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَكَتَبَ اسْمِي عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْأَوْرَاقِ وَالْقِبَابِ وَالْخِيَامِ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، فَلَمَّا أَحْيَاهُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ إلَى الْعَرْشِ فَرَأَى اسْمِي فَأَخْبَرَهُ اللهُ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِك، فَلَمَّا غَرَّهُمَا الشَّيْطَانُ تَابَا وَاسْتَشْفَعَا بِاسْمِي إلَيْهِ»، وإسناده جيد لا بأس به؛ كما قال الحافظ الصالحي في "سبل الهدى والرشاد" (1/ 86، ط. دار الكتب العلمية)، وقوَّى إسنادَه الحافظُ عبد الله الغُماري في "الرد المحكم المتين" (ص: 138).

وكما جرى العمل على ذلك منذ بدء الخليقة قبل مولده صلى الله عليه وآله وسلم فعلى ذلك أيضًا جرى عمل الصحابة والسلف الصالح من بعده:

- فروى الأئمةُ آباءُ بكرٍ: ابنُ أبي شيبة في "المصنف" (6/ 356، ط. مكتبة الرشد)، وابنُ أبي خيثمة -كما في "الإصابة في تمييز الصحابة" (6/ 216، ط. دار الكتب العلمية)-، والبيهقيُّ في "دلائل النبوة" (7/ 47، ط. دار الكتب العلمية)، وأبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (1/ 313-314، ط. مكتبة الرشد)، من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار -وكان خازن عمر- قال: أصاب الناس قحط في زمن سيدنا عمر رضي الله عنه، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك؛ فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال: «ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْقَوْنَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيْكَ الْكَيْسَ»، قال: فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى سيدنا عمر رضي الله عنه وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه. وهذا حديث صحيح؛ صححه الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (7/ 91-92، ط. دار الفكر)، وصححه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 495، ط. دار المعرفة).

- وروى الإمام أبو محمد الدارمي في "سننه" عن أبي الجوزاء أوس بن مالك، قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكَوْا إلى السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: "انظروا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فاجعلوا منه كُوًى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف"، قال: ففعلوا، فمُطِرْنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسُمِّيَ عامَ الفَتْق.

ولكل هذه الأدلة الصريحة من كتاب ربنا سبحانه وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أجمع علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها على استحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، صلى الله عليه وآله وسلم، واتفقوا على أن ذلك مشروع قطعًا ولا حرمة فيه، وأنه أحد صيغ الدعاء إلى الله عز وجل المندوب إليها، ولا عبرة بمن شذ عن إجماع العلماء.

يقول الإمام المجتهد بقية السلف تقي الدين السبكي في كتابه "شفاء السقام" (ص: 119، ط. دائرة المعارف النظامية): [اعْلَمْ أنه يجوز ويَحسُنُ التوسلُ والاستغاثة والتشفعُ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجوازُ ذلك وحسنُه من الأمور المعلومة لكلِّ ذي دِين، المعروفةِ مِن فعل الأنبياء والمرسلين، وسِيَر السلف الصالحين، والعلماء والعوامِّ من المسلمين، ولم يُنكِر أحدٌ ذلك مِن أهل الأديان، ولا سُمِع به في زمنٍ مِن الأزمان، حتى جاء ابنُ تيمية؛ فتكلَّم في ذلك بكلام يُلَبِّسُ فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يُسبَقْ إليه في سائر الأعصار] اهـ.

ويقول الإمام تقي الدين الحصني الشافعي في كتابه "دفع شُبَهِ مَن شبَّه وتمرَّد" (ص: 436-437، ط. دار المصطفى): [والمراد أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واللواذ بقبره مع الاستغاثة به كثير على اختلاف الحاجات، وقد عقد الأئمة لذلك بابًا، وقالوا: إن استغاثةَ مَن لاذ بقبره وشكا إليه فقره وضره توجب كشف ذلك الضر بإذن الله تعالى] اهـ.

ويقول الإمام القسطلاني في "المواهب اللدنية" (3/ 606، ط. المكتبة التوفيقية): [وأما التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته في البرزخ: فهو أكثر من أن يُحصَى، أو يُدرَك باستقصاء] اهـ.

وعليه: فالتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور الجائزة والمستحبة، التي دلَّ على مشروعيتها واستحبابها الكتاب والسُنَّة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه جرى علماء المسلمين وعوامِّهم سلفًا وخلفًا من غير نكير، وهذا هو الحقُّ الذي دلَّت عليه النصوص، ولا عبرة بمن شذَّ، فمن شاء اتخذ إلى ذلك سبيلًا وأتبع سببًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا
الرئيسية  >  الفتاوى   >  عبادات   >  الذكر 

حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم

ما حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور الجائزة والمستحبة، التي دلَّ على مشروعيتها واستحبابها الكتاب والسُنَّة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه جرى علماء المسلمين وعوامِّهم سلفًا وخلفًا من غير نكير، وهذا هو الحقُّ الذي دلَّت عليه النصوص، ولا عبرة بمن شذَّ ذلك.

التفاصيل ....

التَّوَسُّل: تَفَعُّلٌ من الوسيلة، والوسيلة في الأصل: ما يُتَوَصَّلُ به إلى الشيء ويُتَقَرَّبُ به، كما قال العلامة ابن الأثير في "النهاية" (5/ 185، ط. المكتبة العلمية).

وقد أجمع المسلمون أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الوسيلة العظمى، واتفقت الأمة على التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم من غير خلاف من أحد يُعتَدُّ به.

وجاءت النصوص والأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة بمشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك حاصل قبل مولده، وفي حياته الدنيوية، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى ذلك اتفقت المذاهب الأربعة:

فمن الكتاب:

- قوله تعالى يخبر عن حال أهل الكتاب قبل مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 89]؛ أخرج الإمام الطبري في "جامع البيان" عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: "يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم على مشركي العرب -يعني بذلك أهل الكتاب- فلما بعث الله محمدًا صلى الله وآله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه". وأخرجه الآجري في "الشريعة"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "دلائل النبوة" من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت اليهود فعاذت اليهود بهذا الدعاء، فقالوا: اللهم نسألك بحق محمد النبي الأمي، الذي وعدتنا أنك تخرجه لنا في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بُعِث النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم كفروا به، فأنزل الله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ بك يا محمد على الكافرين".

- وقوله تعالى: ﴿ولو أَنَّهم إذ ظَلَمُوا أَنفُسَهم جاءوكَ فاستَغفَرُوا اللهَ واستَغفَرَ لهم الرسولُ لوَجَدُوا اللهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، وقد فهم الصحابة من هذه الآية العموم؛ فروى ابن جرير وابن المنذر في "التفسير"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إنّ في النساء لخمسَ آياتٍ ما يَسُرُّني بهن الدنيا وما فيها، وقد علمتُ أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها.. فذكر منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (7/ 12، ط. مكتبة القدسي): [رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح] اهـ.

فقد فهم سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه العمومَ من الآية؛ حيث حَدَّث بذلك التابعين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بل ورد ما يدل صراحةً على أن هذه الآية عامة لكل المسلمين وجميع الأمة؛ فقد رواها معاوية بن قرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: "خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا" أخرجها الكلاباذي في "بحر الفوائد"، واللالكائي في "شرح السنة"، والتيمي في "الحجة"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت" أخرجه ابن جرير والثعلبي في "التفسير"، والبيهقي" في "شعب الإيمان".

وأما الأدلة من السنة النبوية المطهرة:

- فحديث الأعمى الذي علَّمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّد إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ» رواه الترمذي وابن ماجه والنسائي وصححه جمع من الحفاظ، وفي بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «وَإِنْ كَانَ لَكَ حَاجَةٌ فَمِثْل ذَلِكَ»، وعند الطبراني وغيره أنَّ راوي الحديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه علَّم هذا الدعاء لمن طلب منه التوسط له في حاجة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته، وفي ذلك طلب صريح للمدد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

- وحديث الخروج إلى المسجد للصلاة: فعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَأَقْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ» رواه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة، وهو حديثٌ صحيحٌ؛ أشار إلى صحته الحافظ ابن خزيمة عندما استدل به في العقائد؛ قال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 98، ط. دار العربية): [رواه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق فضيل بن مرزوق؛ فهو صحيح عنده] اهـ.

كما قوّاه الحافظ البغوي في "مسند ابن الجعد" (ص: 302، ط. مؤسسة نادر)؛ حيث ساقه وغيره من الأحاديث من طريق عطية العوفي، ثم أسند إلى الإمام ابن معين قوله فيه: "صالح"، وهذه قرينة تدل على قبوله له، وقوّاه الحافظُ ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 274، ط. مكتبة الرشد)؛ فقال: [ومثل هذا لا يدرك بالرأي، ولا يكون إلا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ، والحافظُ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي فيما نقله عنه تلميذه الإمام المنذري في "الترغيب والترهيب" (2/ 305، ط. دار الكتب العلمية)، والحافظ الدمياطي في "المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح" (ص: 641-642، رقم 1321، ط. النهضة الحديثة)، والحافظ العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (ص: 384، ط. دار ابن حزم)، وأقره المرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (5/ 89، ط. مؤسسة التاريخ العربي)، كما حسَّنه أيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في "نتائج الأفكار" (1/ 268، ط. دار ابن كثير)، وحسنه الحافظ السيوطي في "تحفة الأبرار بنكت الأذكار" (ص: 9).

وقد أجاب الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1/ 267، ط. دار ابن كثير) عن تضعيف الحديث بعطية العوفي فقال: [ضَعْفُ عطيةَ إنما جاء مِن قِبَل التشيع، ومِن قِبَل التدليس، وهو في نفسه صدوق، وقد أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأخرج له أبو داود عدة أحاديث ساكتًا عليها، وحسَّن له الترمذي عدة أحاديث؛ بعضها من أفراده] اهـ.

والسائلون لله تعالى الذين توسل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بحقهم هم أعمُّ من أن يكونوا أحياءً أو منتقلين، وهذا يدل على جواز التوسل بالمخلوق سواء أكان حيًّا أو مُتَوَفًّى، كما أن في التوسل بالعمل الصالح (وهو المشي إلى الصلاة) دليلًا آخر على جواز التوسل إلى الله في الدعاء بالمخلوق، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم المخلوقين قدرًا وأعلاهم شأنًا، فالتوسل به أَوْلَى.

- وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عند موت فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما، وهو حديث طويل، وفي آخره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ ولَقِّنْهَا حُجَّتَهَا وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» رواه الطبراني في "الأوسط" (1/ 67، ط. دار الحرمين)، و"الكبير" (24/ 351)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/ 121، ط. السعادة)، وغيرهما. قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/ 257): [رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح] اهـ.

- وفي التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم قبل مولده: ما أخرجه الحافظ أبو الحسين بن بشران -كما ذكر ابن ناصر الدين في "جامع الآثار" (1/ 469، ط. قطر)- ومن طريقه الحافظ ابن الجوزي في "الوفا بفضائل المصطفى" -كما ذكر ابن تيمية في "الفتاوى" (2/ 159)- عن ميسرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًّا؟ قال: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ وَاسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَخَلَقَ الْعَرْشَ كَتَبَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَخَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ الَّتِي أَسْكَنَهَا آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَكَتَبَ اسْمِي عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْأَوْرَاقِ وَالْقِبَابِ وَالْخِيَامِ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، فَلَمَّا أَحْيَاهُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ إلَى الْعَرْشِ فَرَأَى اسْمِي فَأَخْبَرَهُ اللهُ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِك، فَلَمَّا غَرَّهُمَا الشَّيْطَانُ تَابَا وَاسْتَشْفَعَا بِاسْمِي إلَيْهِ»، وإسناده جيد لا بأس به؛ كما قال الحافظ الصالحي في "سبل الهدى والرشاد" (1/ 86، ط. دار الكتب العلمية)، وقوَّى إسنادَه الحافظُ عبد الله الغُماري في "الرد المحكم المتين" (ص: 138).

وكما جرى العمل على ذلك منذ بدء الخليقة قبل مولده صلى الله عليه وآله وسلم فعلى ذلك أيضًا جرى عمل الصحابة والسلف الصالح من بعده:

- فروى الأئمةُ آباءُ بكرٍ: ابنُ أبي شيبة في "المصنف" (6/ 356، ط. مكتبة الرشد)، وابنُ أبي خيثمة -كما في "الإصابة في تمييز الصحابة" (6/ 216، ط. دار الكتب العلمية)-، والبيهقيُّ في "دلائل النبوة" (7/ 47، ط. دار الكتب العلمية)، وأبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (1/ 313-314، ط. مكتبة الرشد)، من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار -وكان خازن عمر- قال: أصاب الناس قحط في زمن سيدنا عمر رضي الله عنه، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك؛ فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال: «ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْقَوْنَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيْكَ الْكَيْسَ»، قال: فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى سيدنا عمر رضي الله عنه وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه. وهذا حديث صحيح؛ صححه الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" (7/ 91-92، ط. دار الفكر)، وصححه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 495، ط. دار المعرفة).

- وروى الإمام أبو محمد الدارمي في "سننه" عن أبي الجوزاء أوس بن مالك، قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكَوْا إلى السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: "انظروا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فاجعلوا منه كُوًى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف"، قال: ففعلوا، فمُطِرْنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسُمِّيَ عامَ الفَتْق.

ولكل هذه الأدلة الصريحة من كتاب ربنا سبحانه وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أجمع علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها على استحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، صلى الله عليه وآله وسلم، واتفقوا على أن ذلك مشروع قطعًا ولا حرمة فيه، وأنه أحد صيغ الدعاء إلى الله عز وجل المندوب إليها، ولا عبرة بمن شذ عن إجماع العلماء.

يقول الإمام المجتهد بقية السلف تقي الدين السبكي في كتابه "شفاء السقام" (ص: 119، ط. دائرة المعارف النظامية): [اعْلَمْ أنه يجوز ويَحسُنُ التوسلُ والاستغاثة والتشفعُ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجوازُ ذلك وحسنُه من الأمور المعلومة لكلِّ ذي دِين، المعروفةِ مِن فعل الأنبياء والمرسلين، وسِيَر السلف الصالحين، والعلماء والعوامِّ من المسلمين، ولم يُنكِر أحدٌ ذلك مِن أهل الأديان، ولا سُمِع به في زمنٍ مِن الأزمان، حتى جاء ابنُ تيمية؛ فتكلَّم في ذلك بكلام يُلَبِّسُ فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يُسبَقْ إليه في سائر الأعصار] اهـ.

ويقول الإمام تقي الدين الحصني الشافعي في كتابه "دفع شُبَهِ مَن شبَّه وتمرَّد" (ص: 436-437، ط. دار المصطفى): [والمراد أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واللواذ بقبره مع الاستغاثة به كثير على اختلاف الحاجات، وقد عقد الأئمة لذلك بابًا، وقالوا: إن استغاثةَ مَن لاذ بقبره وشكا إليه فقره وضره توجب كشف ذلك الضر بإذن الله تعالى] اهـ.

ويقول الإمام القسطلاني في "المواهب اللدنية" (3/ 606، ط. المكتبة التوفيقية): [وأما التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته في البرزخ: فهو أكثر من أن يُحصَى، أو يُدرَك باستقصاء] اهـ.

وعليه: فالتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور الجائزة والمستحبة، التي دلَّ على مشروعيتها واستحبابها الكتاب والسُنَّة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه جرى علماء المسلمين وعوامِّهم سلفًا وخلفًا من غير نكير، وهذا هو الحقُّ الذي دلَّت عليه النصوص، ولا عبرة بمن شذَّ، فمن شاء اتخذ إلى ذلك سبيلًا وأتبع سببًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;