} <

فتاوى وأحكام المرأة

فتاوى وأحكام المرأة

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن المرأة دعامة أصيلة من دعائم المجتمع الإنساني، رفع الله مكانتها إلى منزلة سامية، ليَكِلَ إليها أشرفَ المهام والمنازل حيث التربية والتنشئة والتعليم والتوجيه، مع مشقة الحمل، ووَصَب الوضع، وسهر الليالي بجوار وليدها، وما تعانيه من رعاية أسرتها والقيام على شؤونها بقلب عطوف ونفس راضية.

ولقد قامت المرأة في عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأدوار عظيمة توزعت على مجالات الحياة المختلفة، مع محافظتها على حدود الإسلام وآدابه؛ ومن المهام العظيمة التي قامت بها المرأة في صدر الإسلام ما فعلته أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها من تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها كانت أول المؤمنين به، ومما قامت به المرأة أيضا في صدر الإسلام أنها سبقت أباها وزوجها وأهلها جميعًا، وأنها وقفت بثبات وصبر أمام اضطهاد المشركين، وأنها هاجرت كما هاجر الرجال إلى الحبشة في الهجرتين، ثم إلى المدينة المنورة، وأنها كانت تقوم بدعوة قبيلتها كلها فتسمع لها فتدخل الإسلام تلبية لدعوتها، وأنها كانت تبايع الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة بالمعروف كالرجال سواء بسواء، وأنها كانت تشارك الرجل في ميادين الجهاد دفاعًا عن الإسلام، بل كانت تستجيب إلى النداء مهما كان موضوعه وشأنه؛ فهذه أم المؤمنين أمُّ سلمة رضي الله عنها -كما روى الإمام مسلم في صحيحه- حينما سمعت نداء النبي صلى الله عليه وسلم يومًا: «أيها الناس»، قالت لماشطتها -أي المرأة التي تمشط شعرها-: «استأخري عني»، فردت الجارية عليها مثبطة همتها عن الإجابة: «إنما دعا الرجال ولم يدع النساء!»، فأجابتها أمُّ المؤمنين رضي الله عنها: «إني من الناس»، أي: إن المرأة من الناس؛ يُطلب منها ما يُطلب من الآخرين.

وكذا فعلت السيدة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها -كما روى الإمام مسلم في صحيحه- حينما سمعت النداء: «إن الصلاة جامعة»، فانطلقت فيمن انطلق من الناس؛ لتقف على حقيقة الأمر، وسردُ أشباه ونظائر هذه الوقائع والحوادث مما يضيق به المقام، وتجف دون حصره الأقلام.

ومثل هذه المواقف العظيمة والمشرِّفة التي قامت بها المرأة عبر تاريخ الإسلام وامتداد رقعته واتساعها ما جاءت إلا امتثالا وتأسِّيًا وتأسيسًا على ما شرعه الإسلام الحنيف للمرأة من حقوق وواجبات من شأنها أنها ساهمت بشكل كبير في إصلاح ما أفسدته أخطاء العصور الغابرة التي اقترفتها كل أمة من أمم الحضارات السابقة عليها، وعملت كذلك على إكساب المرأة مكانة مرموقة لم تَكْسبها قط من حضارة سابقة ولم تأت بعد ظهور الإسلام حضارةٌ تُغنِي عنها، بل جاءت آداب وحضارات العصور الحديثة على نقص ملموس في أحكامها ووصاياها المتعلقة بالمرأة.

فقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة، ودليل ذلك أن جميع النصوص الشرعية المتعلقة بكرامة الإنسان (ذكرًا أو أنثى) وبالثواب والجزاء، والحقوق والواجبات تشمل الطرفين إلا ما نُصَّ على تخصيصه بأحد الصنفين، ومن لطائف القرآن الكريم في التنبيه إلى هذا المقصد الجليل عطفُ النساء على الرجال عند ذكر كثير من هذه الأحكام أو تلك الفضائل، ولعل في هذه الآية الكريمة غُنية عن غيرها فيما قررناه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، فالمتأمل فيها يجد أن سياقها يتميز بـ«الإطناب» في تعداد الأوصاف؛ لأن المقام يقتضي زيادة البيان، لاختلاف أفهام الناس في ذلك، على أن في هذا التعداد إشارة إلى أصول التشريع؛ حيث اشتملت هذه الخصال العشر على جوامع الإسلام ومقاصده، لئلا يتوهم أحد أن المساواة الحاصلة بين الرجل والمرأة محصورة في خصوص صفة واحدة.

ويضاف إليه أن الشرع الشريف في أصل نظرته إلى الصنفين يعتبر كلًّا منهما قوة عاملة، يطلب منه ما هو منوط به، ويحق له جزاؤه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].

وكذلك يُسترشد برأي كليهما في الأمور العامة والخاصة والشؤون الدينية وغير الدينية؛ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: 71].

ومن ذلك أن الشرع الشريف قد أسس أعدل أصل يتقرر به إنصاف الحق، حيث جعل الرجل والمرأة سواءً في كل شيء، ثم يمتاز -وليس يُفضَّل- الرجل بدرجةٍ على المرأة هي «القوامة» التي اكتسبها من تكوينه الخِلْقِيِّ، وأثبتتها تجارب التاريخ عبر العصور؛ فالحياة الزوجية حياة اجتماعية من الدرجة الأولى، ولا بد لكل اجتماع من قائد يقوم على تدبير أمره بما فيه صلاحه؛ لأن المجتمعين لا بد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم ولي أمر يُرجع إلى رأيه عند الاختلاف، لئلا يعمل كلٌّ على ضد ما يرجوه الآخر، ومن ثَمَّ تنفصم عروة الوحدة والوئام، فيختل المجتمع والنظام، والرجل أحق بهذه الرياسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على تحقيقها بقوته وماله، ومن ثَمَّ كان هو المُطالب طبعًا وشرعًا بحماية المرأة والإنفاق عليها.

ولا غرو فليس فيه خروج عن شرعة المساواة؛ فكل زيادة في الحق تقابلها زيادة مثلها في الواجب؛ إظهارًا لتناسق الوعاء الكوني المتمثل في أصل الخِلقة البشرية وضرورياتها مع غطائه المتمثل في جملة الشرائع والمبادئ التي أنزلها الله تعالى على عباده؛ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].

وكذا ندب الشرعُ المنيف الزوجَ إلى طلب مشورة زوجته في شؤون تدبير العائلة، وعدم تهميشها اعتمادًا على أنه قَيِّمُ الأسرة وولي أمرها، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي؛ ويدل عليه قوله عز وجل في مسألة إرضاع الولد وفطامه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233].

ولئن جعل الإسلام للذَّكَر في الميراث مثلَ حظ الأنثيين في حالات معدودة، فإن المرأة في هذه القسمة هي الرابحة، لأن الرجل هو المكلف بالإنفاق على أسرته طبعًا وشرعًا، فضلا عن أن الشرع قد أعطاها مثله بل تزيد عنه في حالات أخرى كثيرة.

نعم، ثبت واقعًا أن المرأة أضحت تشارك الرجل هموم حياته، بل تقوم بمفردها على شؤون الأسرة في أوقات كثيرة، ولا جرم فالإسلام قد أباح لها ما للرجل من موارد الكسب، وجعل لها ذمة مالية مستقلة، واعتبر تصرفاتها نافذة في حقوقها المشروعة، ومنحها الحق في مباشرة جميع الحقوق المدنية ما دامت تتناسب مع طبيعتها التي خلقها الله تعالى عليها، ومع ذلك لم يوجب عليهن من الواجبات المالية نصف ما وضعه على الرجال إلا أن تتفضل بالتبرع بذلك فتكون لها المنة.

وهذا لا يعني أن المرأة قد تصبح -يومًا- في غنًى عن العيش الهادئ في كنف الرجل لا تبالي أي حياة تحيا؛ إذ مصير ذلك إلى تفسخ الروابط الاجتماعية، ثم الفوضى المطلقة، ومن ثَمَّ الرجوع بالإنسانية تاريخًا بعيدًا إلى الوراء!

وفي هذا الكتاب -الذي تقدمه دار الإفتاء المصرية- تفصيلٌ مداره على جلاء بعض الأحكام الشرعية الخاصة بشؤون المرأة، قصدنا منه تعريفَ المرأة بأحكام دينها لا سيَّما الأحكام المتعلقة بها، وأسميناه «فتاوى وأحكام المرأة في الإسلام»، وأصله فتاوى من واقع الأسئلة اليومية الواردة إلى دار الإفتاء المصرية عبر منافذها المختلفة.

فهناك عدد هائل من الفتاوى الصادرة عن الدار عبر عقودها تمسُّ جوانب شتى لحياة المرأة ومجالاتها، فقمنا بانتقاء أنفعها وأكثرها سُؤالًا، وجنَّبنا منها ما لا يفيد العصر الحاضر، فكان ما بين أيدينا من هذا الكتاب، مع مراعاة الاقتصار على ما يخص المرأة من غير أن يشاركها الرجل، وإن كانت هناك مسائل يشترك فيها الرجل والمرأة كمسائل الطهارة والنكاح، وأضْفَينا عليها مزيدَ عناية بالتدعيم والترتيب وأعمال الفهرسة.

وما قدمناه غيض من فيض في جانب ما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما قرره علماء الأمة سلفًا وخلفًا من أحكام رائقة تنبضُ بروح الإسلام، وتحمل في طيَّاتها عزةً ورفعةً لمكانة المرأة في الإسلام، فلم تكن المرأة في الإسلام عبر تاريخه التليد قضيةً يرمي فيها كل صاحب رأي بسهم، كما لم تكن ساحةً للنقاش والجدال العام التي تختلف حوله الآراء، وتتنوع فيه النظريات.

نسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعله حجرَ بناءٍ للعقلية الإسلامية المستنيرة، التي تعرف سنة الزواج والتكامل التي بنى الشرع عليها علاقة الرجل بالمرأة.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أ. د/ شوقي إبراهيم علام
مفتي الديار المصرية

 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;